فصل: مسألة ليس للرجل أن يجعل على الرحبة نجافا وبابا ليختص بمنفعتها:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل لمسائل المستخرجة



.مسألة الرجل يبيع نصف الوصيفة أو نصف الدابة ويشترط عليه نفقتها سنة:

وسئل عن الرجل يبيع نصف الوصيفة أو نصف الدابة من الرجل، ويشترط عليه نفقتها سنة، وأن له عليه إن ماتت الدابة أخذ ذلك منه، أو باعهما أو ماتتا، فذلك له عليه ثابت، وإن بقيت إلى ذلك، فهو حقه استوفاه منه، قال: لا بأس بذلك. أنكرها سحنون.
قال محمد بن رشد: وقعت هذه المسألة متكررة في هذا الرسم من هذا السماع، من كتاب جامع البيوع، ومضى القول عليها هناك مستوفى، فلا وجه لإعادته، وبالله التوفيق.

.مسألة تلقي الركبان:

ومن كتاب أوله شك في طوافه:
وسئل مالك عن النفر من التجار يخرجون إلى الريف، فيشترون أغناما فيأتون بها قريبا من الفسطاط على قدر الميل ونحوه، فيجعلونها في مراعٍ ترعى فيه، ويشتد عليهم دخولها الفسطاط، ويكون ذلك أرفق بهم، فيدخل الرجل المدينة، فيدعو رجلا منهم يأمنه فيبيعه إياها، ثم يدخل المشتري لها قليلا قليلًا فيبيعها هو، قال: إني أخاف أن يكون من التلقي، وعندنا رجال يفعلونه ببلدنا؛ قلت له: أفتكرهه؟ قال: نعم، أكره أن يعمل به، وأراه من تلقي السلع.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال: إن ذلك من تلقي السلع؛ لأن المعنى في النهي عن تلقي السلع عند مالك، إنما أريد به نفع أهل الحاضرة، كما أريد بالنهي عن أن يبيع حاضر لباد نفع أهل الحاضرة بأن يكون البادي والجالب هو المتولي البيع في السوق على ما هو عليه من الجهل بالسوق، فيشتري أهل الحاضرة منه في السوق بما يرضى به من قليل الثمن وكثيره، فإذا باع الغنم الجالب لها من رجل من أهل الحاضرة قبل أن يصل إلى السوق، فكان هو الذي يقوم بها ويبيعها على معرفة، فقد قطع عن أهل الحاضرة الحق الذي جعله رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لهم في ذلك، والله الموفق.

.مسألة العبد يشكو العزبة فيسأل سيده أن يبيعه لذلك:

وسئل عن العبد يشكو العزبة، فيسأل سيده أن يبيعه لذلك، ويقول: قد وجدت موضعا، قال: ليس ذلك على سيده، ولو جاز ذلك لقال ذلك الخدم.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال أنه ليس على الرجل واجبا أن يبيع عبده ممن يزوجه إذا سأله ذلك وشكا العزبة، وإنما يرغب في ذلك، ويندب إليه، وليس امتناعه منه من الضرر الذي يجب به بيعه عليه، كما ليس عليه أن يزوجه واجبا إذا سأله ذلك؛ لأن قول الله تعالى:
{وَأَنْكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ} [النور: 32] ليس على الوجوب، إنما هو أمر بالإنكاح على سبيل الحض والترغيب، وإنما يباع عليه إذا تبين ضرره به في تجويعه وتعريته وتكليفه من العمل ما لا يطيق، وضربه في غير حق، إذا تكرر ذلك منه، أو كان شديدا منهكا. وسيأتي هذا المعنى في رسم حلف ليرفعن أمرا، ورسم صلى نهارا، وفي سماع أصبغ، عن أشهب، وهذا ما لا أعلم فيه اختلافا، والله أعلم.

.مسألة الرجل يكتب ذكر الحق في المسجد:

وسئل مالك عن الرجل يكتب ذكر الحق في المسجد، قال: أما ما كان خفيفا، فلا بأس به، وأما الشيء يطول فلا أحبه.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال؛ لأن المساجد إنما وضعت لذكر الله والصلاة، قال الله عز وجل: {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ} [النور: 36] {رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ} [النور: 37] فواجب أن ترفع وتنزه عن أن تتخذ لغير ما وضعت له، وقد اتخذ عمر بن الخطاب رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ رحبة بناحية المسجد، فقال: من كان يريد أن يلغط أو ينشد شعرا، أو يرفع صوته، فليخرج إلى هذه الرحبة، وكان عطاء إذا مر به بعض من يبيع في المسجد دعاه فسأله ما معه، وما يريد، فإذا أخبره أنه يريد أن يبيعه، قال: عليك بسوق الدنيا، فإنما هذا سوق الآخرة، وبالله التوفيق.

.مسألة الرجل يشتري الزعفران فيجده مغشوشا هل يرده:

وسئل مالك عن الرجل يشتري الزعفران فيجده مغشوشا؛
أترى أن يرده؟ قال: نعم، أرى أن يرده، وليس عن هذا سألني صاحب السوق، إنما سألني أنه أراد أن يحرق المغشوش بالنار لما فيه من الغش، فنهيته عن ذلك.
وسئل مالك عما يغش من اللبن، أترى أن يراق؟ قال: لا، ولكن أرى أن يتصدق به على المساكين من غير ثمن إذا كان هو الذي غشه. قيل له: فالزعفران أو المسك أتراه مثله؟ قال: ما أشبهه بذلك إذا كان هو الذي غشه، فأراه مثل اللبن. وسئل ابن القاسم عن هذا، فقال: أما الشيء الخفيف من ذلك فلا أرى به بأسا، وأما إذا كثر ثمنه فلا أرى ذلك، وأرى على صاحبه العقوبة؛ لأنه يذهب في ذلك أموال عظام.
قال محمد بن رشد: لم ير مالك أن يحرق الزعفران المغشوش، ولا أن يراق اللبن المغشوش بالماء على الذي غشه، قال في رسم الأقضية الثاني من سماع أشهب: وأرى أن يضرب من أنهب أو انتهب، وأرى أن يتصدق بذلك على المساكين أدبا له، وسواء على مذهبه كان ذلك يسيرا أو كثيرا؛ لأنه ساوى في ذلك بين الزعفران واللبن والمسك، والمسك قليله كثير، وخالفه ابن القاسم، فلم ير أن يتصدق من ذلك إلا بما كان يسيرا، وذلك إذا كان هو الذي غشه، وأما من وجد عنده من ذلك شيء مغشوش لم يغشه هو، وإنما اشتراه أو وهب له أو ورثه، فلا اختلاف في أنه لا يتصدق بشيء من ذلك، والواجب أن يباع ممن يؤمن أن يبيعه من غيره مدلسا بذلك، وكذلك ما وجب أن يتصدق به من المسك والزعفران على الذي غشه، يباع ممن يؤمن أن يغش به ويتصدق بالثمن أدبا للغاش الذي غشه.
وقول ابن القاسم في أنه لا يتصدق من ذلك على الغاش إلا بالشيء اليسير أحسن من قول مالك؛ لأن الصدقة بذلك من العقوبات في الأموال، والعقوبات في الأموال أمر كان في أول الإسلام، من ذلك ما روي عن النبي عَلَيْهِ السَّلَامُ في مانع الزكاة: «إنما آخذها منه وشطر ماله عزمة من عزمات ربنا»، وما روي عنه فيه: «حريسة الجبل أن فيها غرامة مثليها وجلدات نكال»، وما روي عنه من «أن من أخذ بصيد في حرم المدينة شيئا، فلمن أخذه سلبه»، ومن مثل هذا كثير، ثم نسخ ذلك كله بالإجماع على أن ذلك لا يجب، وعادت العقوبات في الأبدان، فكان قول ابن القاسم أولى بالصواب استحسانا، والقياس أن لا يتصدق من ذلك بقليل ولا كثير، وبالله التوفيق.

.مسألة أصحاب القلانس يجعلون مع القطن صوفا يخلطونه به:

وسئل عن أصحاب القلانس، يجعلون مع القطن صوفا يخلطونه به، أو يجعلونه من تحته، قال: لا خير في هذا، وأراه من الغش، فقيل له: فالقطن الخلق مع الجديد، قال: لا خير فيه. قيل له: فإن أهل الحار يقدمون علينا بالقمح مغلوثا، يريد الكثير التبن، فيؤمرون بغربلته قبل أن يبيعوه، قال: هو من الحق، قال: وأرى أن يؤخذ الناس به.
قال محمد بن رشد: أما خلط الصوف مع القطن، أو القطن الخلق مع الجديد، أو جعله من تحته في القلانس أو غيرها، فلا إشكال في أن ذلك من الغش الذي لا يحل ولا يجوز، ولو اشترى رجل قلنسوة فوجد حشوها صوفا؛ لكان له أن يردها، وكذلك لو وجد حشوها قطنا باليا إلا أن تكون من القلانس التي العرف فيها أنها لا تحشى إلا بالقطن البالي، فلا يكون له أن يردها على قياس ما قال في أول رسم من سماع أشهب، من كتاب العيوب، في الذي يشتري القلنسوة السوداء فيجدها من ثوب ملبوس، وقد مضى القول على ذلك هناك، وأما غربلة القمح من التبن والغلث عند البيع، فذلك واجب إن كان التبن والغلث فيه كثير، يقع في أكثر من الثلث؛ لأن بيعه على ما هو عليه من الغرر، ويستحب إن كان التبن والغلث فيه يسيرا، وبالله التوفيق.

.مسألة البساتين تكون حوالي الفسطاط يشتريها التجار ويبيعونها في الفسطاط:

وسئل مالك عن أجنة النخيل والأعناب التي تكون حوالي الفسطاط، فيخرج التجار إليها فيشترونها، ويحملونها في السفن فيبيعونها في الفسطاط، قال: لا بأس بذلك.
قال محمد بن رشد: قول مالك هذا خلاف قوله في رواية أشهب عنه في أول سماعه بعد هذا، مثل قول أشهب فيه من رأيه، ولكلا القولين وجه: فوجه قول مالك هذا اتباع ظواهر الآثار في أنها إنما وردت في تلقي الجلب قبل وصوله، ووجه قول أشهب مراعاة معنى الآثار في أن المعنى فيها نفع أهل الحاضرة، بأن يتولى الجالب إليها بيع ما يجلب، فيبيع بما يرضى به من قليل الثمن وكثيره، علم سعر الحاضرة أو جهله، وبالله التوفيق.

.مسألة الطحانون يشترون الطعام فيغلون بذلك أسعار الناس هل يمنعون:

وسئل مالك عن الطحانين يشترون الطعام فيغلون بذلك أسعار الناس، قال: أرى أن كل ما أضر بالناس في أسعارهم أن يمنعه الناس، فإن أضر ذلك بالناس منعوا منه.
قال محمد بن رشد: في شراء الطحانين الطعام جملة من الجلاب، وبيعه على أيديهم دقيقا، رفقا بعامة الناس؛ لمشقة الطحين عليهم إذا اشتروا القمح، فإن كان ذلك يغلي عليهم الأسعار، فالواجب أن ينظر السلطان في ذلك، فإن كان لا يفي المرفق الذي للعامة في ذلك بما يغليه من أسعارهم منع من ذلك، وإن كان يفي به أو يزيد عليه فيما يراه باجتهاده لم يمنع من ذلك، وأما شراء أهل الحوانيت الدقيق من الجلاب وبيعه على أيديهم من الناس، وشراء الطعام وبيعه على أيديهم غير مطحون، فلا وجه من الرفق في ذلك لعامة الناس، فينبغي أن يمنع من ذلك إذا كان فيه تغلية للأسعار، ويباح إذا لم يضر ذلك بالأسعار على مذهب من يجيز فيه الاحتكار، وهو مذهب ابن القاسم وروايته عن مالك، وعليه يأتي إباحة ذلك في رسم يسلف بعد هذا، وقد قال ابن حبيب: إنه يمنع من ذلك في كل ما لا يجوز احتكاره من الطعام، وقد مضى تحصيل الاختلاف فيما يجوز احتكاره من الطعام مما لا يجوز في رسم البيوع الأول، من سماع أشهب، من كتاب جامع البيوع، وبالله التوفيق.

.مسألة لبس الحزام للأنباط:

ومن كتاب أوله الشجرة تطعم بطنين في السنة:
وسئل مالك عن الحزم للأنباط؛ أترى أن يلزموا ذلك؟ قال: إني أحب لهم الذلة والصغار، فقال: قد كانوا يلزمون ذلك فيما مضى. قيل له: أفيكنون؟ قال: إني لأكره أن نرفع بهم، وقد كان قبل ذلك يرخص فيه. قال ابن القاسم: وأنا أرجو أن يكون خفيفا.
وحدثني مالك، عن هشام بن حكيم بن حزام مثل ما حدثني به أول، قال كان عمر بن الخطاب إذا سئل الأمر الذي لا ينبغي يقول: أما ما بقيت أنا وهشام فلا يكون ذلك، وقال هشام لبعض أمراء الشام وقد رأى نبطيا قد أقيموا في الشمس لخراجهم، فقال لهم: أشهد لسمعت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: «إن الله ليعذب في الآخرة الذين يعذبون الناس في الدنيا»، وكان هشام قد تبتل وترك نكاح النساء، وكان في حاله شبيها بالسياحة، لا أهل له ولا مال.
قال محمد بن رشد: ما رأى مالك من أن يلزم الأنباط الحزم صحيح لوجهين؛ أحدهما: ما ذكره من استحباب الذلة والصغار لهم؛ لقوله عز وجل: {قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ} [التوبة: 29] إلى قوله: {حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} [التوبة: 29]. والثاني: أن يعرفوا بذلك من المسلمين حتى لا يبدءوا بالسلام؛ لنهي النبي عَلَيْهِ السَّلَامُ عن ذلك، على ما جاء من أنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «إنا راكبون غدا إن شاء الله إلى يهود، فلا تبدءوهم بالسلام، وإذا سلموا عليكم فقولوا: وعليكم»، وروي عنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال: «لا تبدءوا اليهود والنصارى بالسلام، وإذا لقيتموهم في طريق فاضطروهم إلى أضيقها»، وقال إبراهيم النخعي: لا بأس إذا كانت لك حاجة إلى النصراني الكحال، فأتيته أن تبدأه بالسلام، قال عبد الملك: هي رخصة عند الاضطرار، وكذلك ينبغي في سائر أهل الذمة من اليهود والنصارى أن يلزم النصارى منهم الحزم، واليهود علامة يعرفون بها، إذلالا لهم وصغارا، وحذرا للمسلمين من أن يظنوهم من المسلمين فيبدءوهم بالسلام.
روي عن عمر بن الخطاب أنه كتب إلى أمراء الأجناد يأمرهم أن يختموا في رقاب أهل الجزية بالرصاص، ويظهروا مناطقهم، ويجزوا نواصيهم، ويركبوا على الآكاف عرضا، ولا يدعونهم يشبهون المسلمين في لباسهم، وكراهيته لتكنيتهم صحيح أيضا؛ لأن تكنيتهم إكرام لهم، وترفيع بهم، وذلك خلاف ما يستحب من إذلالهم وإصغارهم لمحادتهم الله ورسوله، قال تعالى: {لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ} [المجادلة: 22].
وترخيصه قبل ذلك في ذلك قريب من كراهيته لذلك؛ لأن الترخيص إنما يكون في المكروه لا في المباح، وكذلك قول ابن القاسم: وأنا أرجو أن يكون خفيفا هذا نحو قول مالك من أجل أن المكروه لا إثم في فعله، ويؤجر تاركه على تركه، ولا حجة لأحد في إباحة ذلك دون كراهة؛ لقول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لصفوان بن أمية: «انزل أبا وهب»؛ لأنه إنما قال له ذلك استئلافا له رجاء إسلامه، وكذلك قوله للذي كان يقبل عليه بحديثه من عظماء المشركين؛ إذ دخل عبد الله بن أم مكتوم: «يا أبا فلان، هل ترى بما أقول بأسا؟» لأنه إنما أقبل عليه بحديثه وكناه رجاء إسلامه وإسلام من وراءه بإسلامه، وإنما تكون تكنية الكافر مباحة إذا لم يقصد بذلك ترفيعه، وكانت الكنية كالاسم الذي يعرف به، وقد قال الله في كتابه: {تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ} [المسد: 1]، فذكره بكنيته، ولم يكن ذلك ثناء من الله عليه بذلك، ولا ترفيعا له، بل مقته بذلك، وأوعده بما أوعده به، وبالله التوفيق.

.مسألة الأدب للناس في حلفهم بالطلاق:

وسئل عن الأدب للناس في حلفهم بالطلاق، فقال: لقد سألني زياد عن الذي سألتني عنه، فقلت له: إنه الناس عن ذلك، فقال لي: إنهم لن ينتهوا إلا أن أضربهم، فقلت له: فافعل، اضربهم.
قال محمد بن رشد: الأدب في ذلك واجب لوجهين؛ أحدهما: ما ثبت من قول النبي عَلَيْهِ السَّلَامُ: «من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت»، وما روي عنه أنه قال: «لا تحلفوا بالطلاق والعتاق، فإنهما من أيمان الفساق»، ذكر ذلك ابن حبيب في الواضحة. والثاني: أنه من اعتاد الحلف به لم يكد يخلص من الحنث به، فتكون زوجته تحته مطلقة من حيث لا يشعر، وقد قال مطرف وابن الماجشون: إن من لزم ذلك واعتاده فهو جرحة فيه، وإن لم يعرف حنثه، وقيل لمالك: إن هشام بن عبد الملك كتب أن يضرب في ذلك عشرة أسواط، فقال: أحسن إذ أمر فيه بالضرب، وروي أن عمر كتب أن يضرب في ذلك أربعين سوطا، وبالله التوفيق.

.مسألة إتلاف الخمر لأهل الذمة:

قال سحنون: وحدثنا ابن القاسم قال: حدثنا مالك أن أبا أيوب الأنصاري نزل منزلا من قرى الشام وكان فيها مواليه، وكان ينهى عن الخمر فمرت به قطار تحمل الخمر، فقام إليها برمحه فبعج تلك الزقاق التي فيها الخمر فذهب ما فيها، فقال صاحب تلك الأرض: يا أبا أيوب، إن هذا يكسر خراجها، فقال أبو أيوب: لن أسكنها وخرج عنها.
قال محمد بن رشد: كان القطار التي مرت بأبي أيوب لأهل ذمة تلك القرية، والله أعلم، وإنما بعجها لإظهارهم الخمر في قرية يسكنها المسلمون معهم، وهذا هو الواجب ألا يباح لأهل الذمة إظهار الخمر والخنازير في موضع يسكنها المسلمون معهم، إلا أن يكونوا هم الغالبين عليهم، وإنما معهم من المسلمين الواحد والاثنان والقليل. وذلك فيما بعد من الحاضرة على ما يأتي بعد هذا، في رسم البيوع الثاني، من سماع أصبغ، وكذلك لا يباح لهم أن يحملوها من قرية من قراهم إلى قرية من قراهم، إلا بعد أن لا يسلكوا بها على شيء من حواضر الإسلام وقراهم.
وما ظهر إلى الإمام من خمرهم، فعليه أن يهرقها ويضرب حاملها، كان منهم أو من غيرهم، وإن خرج منهم رجل سكران في جماعة المسلمين كان عليه أن يضربه على ذلك، وكذلك يمنعون من إظهار صليبهم في أعيادهم واستسقائهم في جماعة المسلمين، فإن فعلوا كسرها وضربهم، قاله ابن حبيب وغيره. وقول صاحب الأرض لأبي أيوب: إن هذا يكسر خراجها، يقول: إذا فعل هذا بأهل القرية ضعفوا عن أداء ما لزمهم من الخراج، فأحفظه قوله غضبا لله، وحلف ألا يسكنها تنزها عن سكنى موضع تظهر فيه الخمر وتورعا عن ذلك رحمة الله عليه ورضوانه.

.مسألة البيع على الوصف:

وسئل عن الرجل يبيع البز والطعام والغنم، وغير ذلك من السلع، فإذا كان ذلك على مسيرة اليوم واليومين جاءه خبر ذلك وصفته، فيخبر الناس بذلك فيقول له رجل بعينه: أفترى ذلك جائزا؟ قال: لا أراه جائزا، وأراه من التلقي، قيل له: فالبز من هذا. قال: نعم، البز مثل الطعام، ولا ينبغي أن يعمل في أمر واحد بأمرين مختلفين، وأكره ذلك، وأراه من تلقي السلع، ولا أرى أن يباع حتى يقدم به.
قال محمد بن رشد: المعنى في هذه المسألة كالمعنى في أول مسألة من رسم شك في طوافه، وقد مضى القول عليها هناك، فلا معنى لإعادته، وبالله التوفيق.

.مسألة حكم نفخ اللحم كما يصنع الجزارون:

ومن كتاب أوله حلف ليرفعن أمرا إلى السلطان:
وسئل مالك عن نفخ اللحم كما يصنع الجزارون، فقال: إني لأكرهه، وأرى أن يمنعوا، وهو يغير طعمه، وقال أشهب في كتاب العتق: سمعت مالكا يقول: أرى أن يؤدب الجزارون الذين ينفخون اللحم، وأرى أن يمنعوا من ذلك.
قال محمد بن رشد: يعني بهذا النفخ، النفخ بعد السلخ الذي إنما يفعلونه ليظهر اللحم به سمينا، فيكره لوجهين؛ أحدهما: ما ذكره من أنه يغير طعم اللحم. والثاني: أنه من الغش المنهي عنه في البيوع؛ قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «من غشنا فليس منا»، أي ليس على هدينا وطريقتنا، ولو اشترى المشتري اللحم المنفوخ، ولم يعلم أنه منفوخ؛ لكان له أن يرده من ناحية الغش، ومن ناحية تغيير رائحته أيضا، ورده من جهة الغش أبين. وأما نفخ الذبيحة قبل السلخ، فلا كراهة فيه؛ لأنه يحتاج إليه، وفيه صلاح ومنفعة، وبالله التوفيق.

.مسألة الدراهم النقص يبتاع الناس بها في أسواقهم هل تغير:

وسئل مالك عن الدراهم النقص يبتاع الناس بها في أسواقهم، أترى أن تغير؟ فقال: بل أرى أن تترك، وأرى في ذلك رفقا للناس، حتى إن الرجل ليأتي بالدرهم الوازن، فما يعطى به إلا شبه ما يعطى بالناقص، والمرأة تأتي بغزلها وما أشبهه، فأرى أن يتركوا ولا يمنعوا، وهو مرفق بالناس.
قال محمد بن رشد: رأى تغيير الدراهم الناقصة ومنع الناس من التجارة بها تضييقا على الناس؛ لأنهم يتسامحون فيها، فإن قطعت بارت على الناس، فلم ينتفعوا بها، ولا سومحوا فيها، والمسامحة في البيع والشراء محمودة، قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «رحم الله عبدا سمحا إن باع، سمحا إن ابتاع، سمحا إن قضى سمحا، إن اقتضى...»، وقوله: والمرأة تأتي بغزلها يريد أن المرأة قد تأتي بغزلها تبيعه، وتأخذ الدينار الناقص لجوازه بجواز الوازن، أو قرب ما بينهما، فإن غيرت النواقص وقطع التجر بها بار عليها دينارها الناقص الذي أخذته في مغزلها، فأضر ذلك بها، فليس للإمام أن يمنع الناس من أن يتجروا بالناقص، ويأخذوه باختيارهم، ولا له أيضا أن يلزمهم أن يتجروا به، ويأخذوه بغير اختيارهم، وذلك بين في رسم يسلف بعد هذا من سماع ابن القاسم، وبالله التوفيق.

.مسألة عجوز أكلت لحم جاريتها:

وقال مالك في عجوز أكلت لحم جاريتها قيل له: يا أبا عبد الله نيبته؟ قال: لا، ولكن مضغته وأثرت بجلدها- وأشار بيده- أثرا شديدا، فأمرت صاحب السوق أن يبيعها، ولم ير في ذلك عتقا.
قال محمد بن رشد: ولو نيبتها لم تعتق، قال ذلك أشهب وسحنون، ومثله في كتاب ابن المواز أن المثلة إنما تكون فيما لا ينجبر، وأما العضة والتنيب، فليس بمثلة تعتق بها، ولكن يؤدب السيد، وكذلك الحرق بالنار لا يكون مثلة إلا أن يتفاحش منظره، قاله في المدونة، وكذلك حلق رأس الجارية، ولحية الغلام ليس بمثلة، إلا في العبد النبيل التاجر، والأمة الرائعة.
قاله ابن الماجشون، عن مالك في الواضحة، وإن كتب في جبهة عبده بنار أو مداد وإبرة عبد فلان عتق عليه، وقال أشهب: لا يعتق عليه، ولا اختلاف في أنه يعتق عليه إذا قطع جارحة من جوارحه أنملة فما فوقها، إلا الضرس الواحدة والسن الواحدة، فإن أصبغ لم ير ذلك مثلة، وقال: لا يعتق عليه إلا في جل الأسنان وجل الأضراس، وأما بيعها عليه فهو صحيح؛ لأن ما فعلته بها ضرر بين بها، فالواجب أن تخرج عن ملك من أضربها، كما تطلق المرأة على زوجها إذا أضر بها ولم يؤمن على غيبها، وبالله التوفيق.

.مسألة ليس للرجل أن يجعل على الرحبة نجافا وبابا ليختص بمنفعتها:

ومن كتاب أوله حديث طلق:
وسئل مالك عن رجل له داران، وهما في رحبة وأهل الطريق ربما ارتفقوا بذلك الفناء إذا ضاق الطريق على الأحمال وما أشبهها، فدخلوا فيه، فأراد أن يجعل عليه نجافا وبابا حتى تكون الرحبة له فناء، ولم يكن على الرحبة باب، ولا نجاف، قال: ليس ذلك له.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال: إنه ليس له أن يجعل على الرحبة نجافا وبابا ليختص بمنفعتها، ويقطع ما للناس من الحق في الارتفاق بها؛ لأن الأفنية لا تتحجر، إنما لأربابها الانتفاع بها، وكراؤها فيما لا يضيقها على المارة فيه من الناس، ولا يضر بهم فيه على ما يأتي في رسم تأخير صلاة العشاء بعد هذا، وقد اختلف أن يحجر من الفناء الواسع الشيء اليسير الذي لا يضر تحجيره بمن يمر في الطريق، هل يقر ذلك له أو يهدم عليه على ما يأتي في سماع زونان، وسماع أصبغ بعد هذا، وبالله التوفيق.

.مسألة بيع العهدة أترى أن يحمل عليها أهل الأمصار:

وسألته عن بيع العهدة أترى أن يحمل عليها أهل الأمصار؟ فقال: وددت ذلك، ولكنهم لا يعبئون بها، ولقد كان ربيعة يقول: لوددت أن أمير المؤمنين جمع العلماء فاستشارهم في أمر الأحكام حتى يكتب لهم كتابا يجعله في الناس، يحملهم عليه كلهم حتى يكون ذلك أمرا واحدا، وقال مالك في بيع الجواري اللائي يراد بهن الوطء، ينبغي للإمام أن يتقدم إلى الناس في ذلك حتى يحملوا على المواضعة، وذكر ذلك عندما كلمته في بيع أهل منى، وأهل مصر عند الخروج إلى الحج في الغرباء الذين يقدمون فداء أن يحملوا على ذلك على ما أحبوا أو كرهوا.
وروى أشهب عن مالك في كتاب الأقضية الثاني، قال: سألت مالكا عن عهدة السنة والثلاث، أترى أن يحمل أهل الآفاق على ذلك؟ فقال: ما أرى ذلك، وأرى أن يتركوا على حالهم، وليس في مثل هذا شيء، وهذا مثل بيع البراءة عندنا، وهم هاهنا بمكة أقرب إلينا لا يعملون به، وأرى أن يقروا، وذلك مثل بيع البراءة عندنا، قلت له: أرأيت الجواري؟ قال: لا أرى أن يبعن كذلك، وأرى فيهن المواضعة في الحيضة بمنى وغيرها.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة قد مضى القول فيها مستوفى في رسم الأقضية الثاني، من سماع أشهب، من كتاب العيوب، فلا معنى لإعادته، وبالله التوفيق.

.مسألة المرأة تسأل زوجها أن تسلم على أخيها أو أبيها فيمنعها من ذلك:

وسئل مالك عن المرأة تسأل زوجها أن تسلم على أخيها أو أبيها، فيمنعها من ذلك، أترى ذلك له؟ قال: لا، ليس له أن يمنعها من ذلك، ما لم تكن تكثر، وللأمور التي يريد أن يمنعها لها وجوه، وليس كل النساء سواء، فأما المرأة المتجالة، فلا أرى ذلك له، ورب امرأة لا تؤمن في نفسها، فأرى ذلك له، فقيل له: أفتأذن له في ذلك وإن كره؟ قال: نعم، وإن هذا الأمر عندنا كثير يختصمون فيه، ولقد استشرت فيه، فرأيت أن يؤذن لهن إلا أن يكثرن من ذلك، أو يأتي من ذلك أمر لا يؤمن فيه، ولقد جاءني رجل فقال لي عن امرأة كان لها مال، وكانت تعطف به على زوجها، ثم إنها قطعت ذلك عنه، وأراد سفرا، وكانت في دار ليس معها فيها أحد إلا ذو محرم منها، فقال لها عند خروجه، وحرم عليها ألا تخرج من عتبة بيته، فأمرتها أن تخرج إليهم، ورأيت ذلك ضررا من فعله.
قال محمد بن رشد: قوله: إنه ليس له أن يمنع زوجته من الخروج إلى أبيها وأخيها، وأنه يقضى عليه بذلك، هو مثل ما في رسم الطلاق الثاني، من سماع أشهب، من كتاب الأيمان بالطلاق، خلاف ما ذهب إليه ابن حبيب من أنه لا يقضى عليه حتى يمنعها من الخروج إليهم، ويمنعهم من الدخول إليها، فحينئذ يقضى عليه بأحد الوجهين، كما أنه لا يحنث إذا حلف حتى يحلف على الطرفين، فيحنث في أحدهما، وهذا الخلاف عندي إنما هو في الشابة المأمونة، وأما المتجالة فلا اختلاف في أنه يقضى لها بالخروج إلى زيارة أبيها وأخيها، وأما الشابة غير المأمونة في نفسها فلا اختلاف في أنه لا يقضى لها بالخروج إلى ذلك ولا إلى الحج.
وروى ذلك ابن عبد الحكم عن مالك، والشابة محمولة على أنها مأمونة حتى يثبت عليها بأنها غير مأمونة، هذا تحصيل القول في هذه المسألة على ما تدل عليه هذه الرواية وغيرها، ويلزم الرجل أن يأذن لامرأته في أن يدخل عليها ذوات رحمها من النساء، ولا يكون ذلك من الرجال إلا في ذي المحرم منهم خاصة، وقد مضى في أول رسم من سماع أشهب، من كتاب الصلاة، تحصيل القول في خروج النساء إلى الجنائز والمساجد والعيدين، فلا معنى لإعادته، وبالله التوفيق.